بريق
ليوم نتحدث عن واحد من أهم و أشهر أفلام الرعب
على الإطلاق , و كعادتنا سيكون الحديث عن قصة
الفيلم و كيف صنع و لماذا نجح , ليكون درسًا
مفيدًا لصناع الرعب سواء كانوا كتابًا أو
سينمائيين ..
أضف إلى هذا أنه هذا أن فيلم اليوم ( بريق The
Shinning ) يعد واحدًا من أكثر الأفلام
المثيرة للجدل , و لم لا و المؤلف هو ( ستيفن
كينج ) أشهر كاتب رعب في عصرنا هذا , و المخرج
هو ( ستانلي كوبريك ) الذي – و إن كان قد رحل
عن عالمنا – يعد في قائمة أفضل خمس مخرجين على
الأطلاق , إن لم يكن أفضلهم جميعًا ..
إذًا نحن لدينا مؤلف قوي و مخرج قدير والبطل
هو( جاك نيكلسون ) شخصيًا , و حين يجتمع هؤلاء
الثلاثة لصنع فيلم رعب , فالناتج هو كابوس
حقيقي , و اليوم سنحلل هذا الكابوس تفصيليًا و
لنبدأ من ذلك اليوم الذي قرر فيه ( كوبريك )
البحث عن رواية جديدة ليحولها لفيلم ..
• البحث عن قصة ..
العام هو 1979 و ( ستانلي كوبريك ) قد وصل
لقمة المجد بعد أن قدم سلسلة من أهم الأفلام
في تاريخ السينما , نذكر منها ( البرتقالة
الآلية ) و ( أوديسا الفضاء ) و ( لوليتا ) و
( سبارتاكوس ) – المذهل أنه لم يحصل على
أوسكار أفضل مخرج قط !! – و هاهو قد قدم فيلمه
الجديد ( باري ليندون ) الذي لم يحظ بالنجاح
الجماهيري المتوقع رغم أهميته النقدية , مما
أصابه بالإحباط و دفعه للتوقف بعدها لخمس
سنوات كاملة , و حين حان وقت العودة برواية
جديدة تستحق تحويلها لفيلم , على أن تحقق
معادلة النجاح الجماهيري و الندي في الوقت
ذاته ..
و هكذا خرج ( كوبريك ) من مكتبه في صباح أحد
الأيام , و عاد و معه كومة ضخمة من الروايات
وضعها على مكتبه و بدأ يقرأ لتبدأ رحلة بحث
طريفة عن رواية فيلمه القادم .. طريفة لأن
سكرتيرته ذكرت أنه كان يفتح رواية و يقرأ
أولها , فأن لم ترق له طوحها إلى الحائط
المواجه , و قضت السكرتيرة هذا اليوم تستمع
إلى صوت الكتب التي تتطوح في الهواء كل خمس
دقائق حتى ظنت أنه لن يجد ما يريده اليوم ,
لكن صوت الكتب المتساقطة توقف أخيرًا بعد بضع
ساعات , فتسللت السكرتيرة إلى مكتبه لتراه
يقرأ رواية ستيفن كينج الثانية ( بريق )
باستمتاع تام رغم بدايتها الأدبية التي لا
تحكي أحداثًا هامة .. و حين خرج أخيرًا من
مكتبه أعلن أنه يريد بدء التصوير في أقرب وقت
ممكن ..
و اتصل بعدها بستيفن كينج ليبدأ معه التفاصيل
الانونية الخاصة و التي اشترط فيها شيئًا لم
يتوقعه ( ستيفن كينج ) و إن رضخ له في النهاية
..
من حق ( كوبريك ) التعديل في السيناريو دون
استئذان ( كينج ) أو الرجوع إليه ..
و هكذا بدأ التصوير و قبل أن نخوض في تفاصيل
الإخراج و ما حدث , دعني ألخص لك الرواية قدر
الإستطاع لتفهم ما نحن مقدمون عليه ..
• من الرواية ..
القصة تحكي عن الكاتب ( جاك تورنس ) الذي
يتلقى عرضًا بأن يقيم هو و عائلته المكونة من
زوجته ( ويندي ) و طفله ( داني ) في فندق (
Overlook) طيلة فترة الشتاء , فخلال هذه
الفترة لا يعيش أحد في الفندق , و أصحابه
يريدون من يقضي فيه هذه الفترة لصيانته و
حراسته ..
بالطبع يواف ( جاك ) فهو يريد الهدوء التام
ليبدأ في روايته الجديدة , و هي فرصة طيبة
ليقضي مزيدًا من الوقت مع عائلته و خاصةّ طفله
( داني ) الذي يتحدث كثيرًا مع صديق تخيلي لا
وجود له ..
و ترحل العائلة إلى الفندق و هناك يعرفون أن
آخر عائلة قامت بهذه المهمة , أصيب فيها الأب
بالجنون و قتل زوجته و طفلتاه بالفأس ! .. و
يحذرهم الخادم الزنجي العجوز ( ديك هالوران )
أن هذا الفندق غريب و أن عليهم الإتصال به لو
حصل أي شيء جديد , كما يكتشف ( ديك ) أن الطفل
( داني ) يمتلك قدرة عجيبة على الإتصال
بالأشباح و يخبره أن هذه القدرة اسمها (
البريق ) قبل أن يترك العائلة بمفردهم في
الفندق ..
و نعرف نحن أن ( داني ) بقدرته هذه يشعر أن
هناك شيء ما رهيب سيحدث في الفندق لهم .. شيء
سيعرض حياتهم للخطر .. و ربما للموت , لكن لا
يملك الخيار ..
تبدأ أيام الأسرة في الفندق الضخم و لا نرى
جديد , فالأب ( جاك ) يكتب بحماس , و زوجته لا
تكاد تصاب بالملل مع ضخامة الفندق , بينما
يلهو ( داني ) طيلة الوقت باستمتاع , حتى يظهر
له شبح الفتاتين اللتين قتلا في الفندق على يد
أبيهما , يطالبانه بأن يلعبا معه !!!
ثم يبدأ الأب في التغير , فأشباح كل من ماتوا
في الفندق يظهرون له و يطالبونه بالتخلص من
عائلته , كل هذا أمام عيني ( داني ) الذي يفهم
أكثر من اللازم بقدرته الخاصة .. البريق ..
أكره أن أحرق أحداث الرواية تفصيليًا لذا
سأكتفي بذكر أن الأب يصاب بالجنون و يبدأ في
مطاردة عائلته بالفعل , لكنهم ينجون منه
بمعجزة , و التفاصيل هنا لا تهمنا لأن (
كوبريك ) لم يلتزم بها إطلاقًا ..
و هنا نصحح نقطة هامة .. ( كوبريك ) لم يحوّل
رواية ستيفن كينج إلى فيلم , بل أخذ فكرة
الرواية ليصنع منها فيلمه الخاص للغاية ..
كيف ؟! .. هذا ما سنشرحه حالاً ..
• إلى الفيلم ..
أول شيء قام به ( كوبريك ) هو اختيار الممثلين
, فكان دور الأب ( جاك ) من نصيب العبقري (
جاك نيكلسون ) و هو اختيار موفق رغم اعتراض
البعض عليه لأنه يبدو عصبيًا سهل الإنتقال إلى
مرحلة الجنون , أما دور الزوجة فكان من نصيب (
شيلي دوفال ) التي لا يفهم أحد حتى الآن إن
كان أحدهم أجبر (كوبريك ) على القيام بهذا
الدور أم لا .. لقد كان أداءها رديئًا بشكل لا
يوصف و كان ( كوبريك ) يعاملها بقسوة غير
طبيعية طيلة الوقت ..
و قبل أن يبدأ التصوير طلب ( كوبريك ) من جميع
العاملين في الفيلم أن يشاهدوا فيلم (
Eraserhead ) الذي أخرجه ( ديفيد لينش )
ليضعهم في الحالة المطلوبة , ثم بدأ ( كوبريك
) في تمزيق كل السيناريو الذي كتبه سابقًا , و
بدأ في كتابة مشاهد جديدة يوميًا بعد أن انتقل
هو و طاقم الفيلم إلى الفندق ليقيموا فيه ..
و حين بدأ التصوير بدأ عناء جميع العاملين في
الفيلم , فـ(كوبريك ) لا يرضى بأي شيء , و على
استعداد أن يعيد تصوير المشهد الواحد أكثر من
مرة , بل إن مشهد جاك نيكلسون و هو يحطم الباب
بالفأس ليهاجم زوجته تم إعادة تصويره 127 مرة
لأن كوبريك لم يقتنع بتعبير الهلع الذي كانت
تؤديه شيلي دوفال !!
على كل حال الفيلم كان مختلفًا في قالبه عن
الرواية , في الرواية نحن نعرف أن الفندق
مسكون و أنه من أصاب الأب بالجنون , لكننا في
الفيلم نستنتج بصعوبة الملاحظات الخفية التي
تركها لنا ( كوبريك ) و أولها أننا حين نرى
جاك نيكلسون يتحدث مع أشباح الفندق في أي مشهد
من مشاهد الفيلم , نرى أنه يواجه مرآة و أنه
لا ينظر مباشرة للشبح .. تفصيلية سينمائية
عبقرية تجعلنا نتساءل طيلة الوقت , هل يوجد
شبح حقًا أم أن جاك فقد عقله ؟!
و هذا يهدم أساس قصة كينج تمامًا ؟! .. إذن ما
الذي يريده ( كوبريك ) بهذا الفيلم ؟!
أحداث الفيلم مخيفة طيلة الوقت و هناك ذلك
الطابع القوطي العصري الذي لم يظهر بهذه القوة
إلا في هذا الفيلم و الذي دعمته موسيقى (
ويندي كارلوس ) الكئيبة , كما أن هناك لقطات
تدرس الآن في معاهد السينما , إضافة إلى تقنية
الـ ( Steady cam ) التي ظهرت على يد كوبريك
في هذا الفيلم .. بل يكفي أن تعرف أن لقطة
الدماء التي تندفع من المصعد لتغرق ممر الفندق
أعيد تصويرها ثلاث مرات , مع إنها كانت تحتاج
لتسع أيام من الإعداد في كل مرة ..
كل هذا الإتقان لكن يظل السؤال معلقًا .. هل
الفيلم عن رجل أصيب بجنون الوحدة في هذا الفند
الضخم الذي تعزله الثلوج عن العالم الخارجي ,
أم أن هناك مغزى آخر للفيلم ؟
الواقع أن هذه النقطة بالذات أثارت جدلاً لا
حد له , و ظهرت العديد من النظريات التي تناقش
مغزى الفيلم , لعل أشهرها نظرية أن هذا الفندق
يرمز إلى أمريكا التي بنيت على جثث الهنود
الحمر سكان الأرض الأصليين , و أن أشباح
الفندق هي أرواح من دفعوا الثمن و هم يدفعون
جاك لقتل عائلته للتكفير عن خطاياهم !
النظير صعبة و أقرب إلى نظريات المؤامرة , لكن
الإشارات إلى الهنود الحمر في الفيلم كثيرة
لقوي الملاحظة , و كوبريك لم يعلق على أي من
هذه النظريات أبدًا ..
بل اكتفى بأن أنهى الفيلم بأكثر اللقطات
عبقرية و إثارة للجدل , فبعد أن يتجمد ( جاك
نيكلسون ) في متاهة في الحديقة و هو يطارد
ابنه ليقتله , ينتهي الفيلم بصورة تذكارية لكل
من ماتوا في الفندق و نرى أن جاك نيكلسون يقف
وسطهم رغم أن هذه الصورة كانت معلقة طيلة
الوقت .. بلاغة سينمائية تقول أنه انضم إلى من
ماتوا في الفندق , و أسفل الصورة تاريخ مثير
للجدل .. الرابع من يوليو .. عيد الإستقلال في
أمريكا !
ما المقصود بالضبط ؟! .. الأمر متروك لخيالك
..
على كل حال لم يرق هذا كله لستيفن كينج الذي
أعلن أن هذا الفيلم لا يمت لروايته بصلة , و
أن كوبريك لم يفهم أدب الرعب كما ينبغي , و
عام 1997 قدم كينج نسخة أخرى من الفيلم تنقل
الرواية حرفيًا , لكنها لم ترق إلى نجاح أو
أهمية نسخة كوبريك ..
و الآن و بعد وفاة كوبريك يظل الفيلم شاهدًا
على عبقريته و على كونه واحد من أهم أفلام
الرعب في التاريخ ..
و تظل الأسئلة المعلقة في الفيلم لا تحمل أية
إجابة .. وربما لن نعرف إجابتها ابدًا ..
|